الكاتبة - سميرةعبدالهادي .
لا تحسبوه مجنوناً لأنه فقد عقله، بل لأنه استخدمه بمكانه الصواب وأكثر مما ينبغي بزمنٍ صار العقلاء فيه يقدسون القوانين وينسون الحكمة، طرح هو الأسئلة التي يهرب الجميع منها: لماذا نركض ولا نصل؟ نتملك كل شيء ونشعر أننا لا نملك أنفسنا؟ لماذا صار الصدق تهمة، والطيبة سذاجة؟ هناك جواب يريد جواب ؟
نعته الناس بالجنون، لأنه رفض التصفيق للباطل لقوته، وأبى الصمت عن الحق لكونه وحيداً.
تعلم "العقلاء" من حوله فن النجاة؛ فصاروا يقولون "نعم" وهم يقصدون "لا"، ويبتسمون وفي قلوبهم نارٌ لا تخبو، يعيشون أنصاف حياة خوفاً من فقدان شيء. أما هو، فقد اختار الخسارة الكاملة على أن يعيش نصف حقيقة. أخبرهم قائلاً: "أنتم عقلاء لأنكم تعايشتم مع ضيق القفص، وأنا مجنون لأني ما زلت أذكر أن لي جناحين". احلق بهما أينما شئت، يظنون أن هذا زمان العقل، و هو على يقين أنه زمن الحسابات الدقيقة والقلوب الفارغة. فالعقل الذي لا يتساءل عن العدالة ليس عقلاً بل آلة حاسبة، والمنطق الذي لا يتألم للمظلوم ليس منطقاً بل تبرير. لذا تراه يمشي وحيداً، يحدّث الشجر، ويصغي لصوت المطر، ويقرأ في وجوه العابرين روايات لم تُكتب. يظنونه يكلم نفسه، ولا يدركون أنه الوحيد الذي ما زال يحاور الحقيقة في زمنٍ اتفق فيه الجميع على الكذب.
مجنون؟ نعم، لأنه الوحيد الذي ما زال عاقلاً بما يكفي ليرى أن هذا العالم بأسره.. قد جُنّ .
.jpg)

.jpg)

.jpg)


.jpg)




.jpg)
.jpg)


.jpg)

.jpg)











.jpg)







































