الكاتب : أ.د محمد احمد بصنوي .
بعد انقطاع لاشهر جعلناه في خدمة ورضاء الوالد ، نعود لكم ونبارك لكم عيد الاضحى المبارك اعاده الله عليكم والامة الاسلامية وانتم في اتم خير وبركة ومفاز برضوانه وجناته
في التاريخ السياسي للمنطقة، كثيرًا ما كانت الحروب تُقاس بنتائجها العسكرية المباشرة، لكن التجارب أثبتت أن التأثير الحقيقي لأي صراع لا يظهر في ساحات القتال وحدها، بل في تلك التفاعلات العميقة للاقتصاد، والطاقة، والتجارة، وموازين القوى التي تتشكل فوق الطاولات بعد أن تتوقف المدافع عن الكلام، ومن هذا المنطلق بالذات، يبرز سؤال جوهري لا يمكن القفز فوقه: هل ستكون المملكة العربية السعودية بعد الحرب هي المستفيد الأكبر، أم أنها ببساطة ستكون المتضرر الأقل مقارنة بغيرها؟
لقد وضعت الحرب المنطقة بأكملها أمام اختبار صعب، بل لعلنا نقول إنها وضعتها أمام "لحظة الحقيقة" الجيوسياسية، خاصة مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الممرات البحرية التي تشكل شريان الحياة للعالم المعاصر، وهنا تكمن أهمية مضيق هرمز؛ هذا الممر المائي الحرج الذي تعبره يومياً مشاحنات وصراعات السياسة كما يعبره 21 مليون برميل من النفط يومياً، وهو ما يعادل بدقة نحو 21% من إجمالي الاستهلاك العالمي للسائل الحيوي، ناهيك عن كونه الممر لـ 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في كوكب الأرض؟ أي أن اهتزاز في هذا الشريان يعني، بالحسابات المجردة، إصابة الاقتصاد الدولي بسكتة دماغية مفاجئة.
لكن ما كشفت عنه الأزمة – والشواهد هنا لا تخطئها عين – هو أن المملكة لم تدخل هذه المرحلة تحت وطأة المفاجأة أو بدون استعداد مسبق، فخلال السنوات الماضية، جرى العمل في صمت وبتخطيط استراتيجي بعيد المدى لبناء منظومة متكاملة من البنية التحتية النفطية واللوجستية، كان هدفها الأسمى هو تحطيم فكرة "الرهينة الجغرافية"، وتقليل الاعتماد على أي مسار أوحد لنقل الطاقة.
ويبرز هنا كشاهد إثبات، خط الأنابيب الشرقي-الغربي (بترولاين) الذي يمتد كجسر بري يربط آبار المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة استيعابية هائلة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً، وفي أوج الأزمات، أثبت هذا الخط جدواه الاستراتيجية حين تمكن من تحويل تدفقات النفط بكفاءة عالية، مما حد من تأثير الاضطرابات، حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى أن الإيرادات من صادرات النفط ارتفعت إلى أعلى مستوى في أكثر من ثلاثة أعوام لتصل إلى 24.7 مليار دولار خلال أول شهر كامل من الحرب في الشرق الأوسط وفقًا لبلومبرج ، ولم تتراجع هذه الصادارت في ذروة القلق الجيوسياسي إلا بنسبة ضئيلة لم تتجاوز 3% وفقا لبلومبرج، وهي نسبة لا تُذكر إذا ما قيست بانهيار خطوط إمداد دول أخرى في الإقليم.
إن هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج شبكة موانئ متطورة على البحر الأحمر، تحولت اليوم إلى ركيزة أمنية واقتصادية بالغة الأهمية، فبينما وجدت دول إقليمية أنفسها محاصرة داخل عنق زجاجة "هرمز" بنسبة اعتماد تكاد تكون مطلقة، كانت السعودية تمتلك منفذاً بحرياً بديلًا يربطها مباشرة بشرق العالم وغربه عبر البحر الأحمر وقناة السويس، مستندة إلى نمو ملموس في طاقة موانئها الاستيعابية، حيث قفزت كفاءة مناولة الحاويات في الموانئ السعودية لتسجل مؤخراً المرتبة الـ 16 عالمياً في "مؤشر اتصال شبكة الملاحة البحرية" التابع لتقرير الأونكتاد وفقأ للعربية.
إن أهم ما يميز السعودية اليوم، وبمعنى أكثر عمقًا، هو أنها لم تعد تعتمد على النفط وحده كقدر محتوم كما كان الحال في العقود الماضية؛ بل إننا أمام مشهد تحول اقتصادي واسع النطاق يهدف إلى تنويع مصادر الدخل، وتؤكد البيانات الرسمية الأخيرة صواب هذا التوجه، حيث سجلت الإيرادات غير النفطية قفزة تاريخية تصل لـ 116.3 مليار ريال خلال الربع الأول من 2026، لتشكل 44.5% من إجمالي الإيرادات، وفق بيانات وزارة المالية بحسب بلومبرج، في حين حقق الاقتصاد غير النفطي نفسه معدلات نمو مستدامة بلغت 4.4% خلال2025 وفقا لموقع العربية، مما يمنح الدولة عصبًا قوياً وقدرة غير مسبوقة على الصمود في وجه الهزات الارتدادية للحروب.
ومن الإنصاف التاريخي والسياسي الإشارة إلى أن ما تحقق من تطور اقتصادي ولوجستي في هذه السنوات القليلة الماضية، يعود بالدرجة الأولى إلى رؤية واضحة وإرادة سياسية حاسمة سعت إلى تعزيز مكانة المملكة وقدرتها على مواجهة العواصف، وفي هذا السياق، لا يسعنا كمواطنين لهذا البلد الآمن العظيم إلا نلهج بفيض من الحمد والثناء للمولى الكريم ومن ثم ان نرفع كل ايات الشكر والإمتنان لخادم الحرمين الشريفين و ولي عهده الامين على جليل الحكمة والحنكة التي تمت بها ادارة هذه الازمة العالمية ، و التقدير البالغ على جهودهما التي تجاوزت فكرة "إدارة الأزمة اليومية" إلى "بناء مقومات القوة الاستراتيجية والتنموية" التي تحمي الغد.
وأخيرًا وليس آخرًا، فإن قيمة الدول في اختبارات التاريخ الكبرى لا تُقاس فقط بما تملكه في خزائنها من ثروات، بل بما تملكه في عقولها من رؤية وقدرة على تحويل التحديات والمضائق إلى فرص وممرات آمنة، وإذا كانت الحرب قد فرضت واقعاً جديداً وضاغطاً على المنطقة بأسرها، فإنها كشفت في الوقت ذاته أن المملكة بحسابات الأرقام والسياسة معاً، تمتلك من المقومات الاستراتيجية ما يجعلها تجمع بين الحسنيين: فهي في زمن الحرب "المتضرر الأقل" الذي يحمي أمنه، وهي عند جلاء الغبار "المستفيد الأكبر" الذي يعيد صياغة المستقبل الاقتصادي للمنطقة.
.jpg)




.jpg)

.jpg)

.jpg)

.jpg)


.jpg)

.jpg)













.jpg)







































