جفاف الأتربة
الكاتبة : صالحة أحمد
مع برودة الشتاء ينطوي العمر، ويرسم على ضفاف الأمس برد الحقيقة التي قطعت كيانه، وجعلته كومة هموم في مهب الريح، يجلس واضعا يده على جبينه في زاوية وفي جو غرفة لفها النسيان بكل جوانبها، ويقلب آماله وآلامه التي يعج بها خافقه المسلوب مع إغفاءة أحلامه وعنوسة أفراحه التي كانت تطرق قلبه الصغير الحاني، والذي يفيض عواطف مختلفة تفوق تصورات الكُتَّاب، ثمة جفاف يغطي تلك القرية التي يعيش فيها، ويلفها خلف جدران الأمس، سكون غريب يلتحف الأجواء في تلك الأزقة الرمادية، والتي تعانق بردة الصمت في ثياب قروي متمدن، كل عواطفه أضحت مكبلة وحبيسة في قفص من الخوف والضعف، لم يفكر في يوم من الأيام أن يكسر دائرته وينسج نسيجا آخر يخرس تلك الأفواه المتعطشة لنهش لحوم البشر، لم يكن له سوى ردة فعل واحدة، يمضي في انزوائه المحبب ورصيفه الآسن من الذكرى المريرة التي قطعته أشلاء وتركته بعدها هباء وحديثا يتداوله الناس، ومع ذلك الصمت يمضي هو ليرتشف فنجان قهوته في سواحل ذكرياته، ويحاول أن يصطدم بالواقع أو يعيشه؛ لأن الواقع أخف بكثير من مرارة الأيام الغابرة، لكن سطو الأحلام قاتل، وجوادها محبب إلى القلب في بعض الأحيان رغم قسوته، كل شيء من حوله يقلق سكونه ويعيده إلى ماضيه رغما عنه، ولكنه أحب الهروب، والهروب هو القاتل الآخر له، وهو الداء الذي قتله ،وفي خضم هذا الصراع النفسي بين ماضٍ وحاضرٍ، ثمة طَرقات على الباب تخمد نار ذاكرته، فيسير في خطاه المثقلة ويفتح الباب، وإذا بأخته تخبره بموعد الغداء، فترك محط ذكرياتِه وآلامِه ومضى على مضض يكتم أنفاسه المتصاعدة لا يفكر في شيء، همه الوحيد أن ينسى لملمة جراحاته، وأن يرسم رجلا آخر غير الذي اختطفته تلك المرأة التي ظنت نفسها شيئا جميلاً، فكانت أقبح شيء عرفه، هو الذي له في كل شيء نظرة ووقفة متأمل، له حكاية ذلك القوي المهزوم، والفارس الذي خانته امرأة ،أما الحقيقة التي لم يستطع إقناع الآخرين بها: هي كونه ما يزال قوياً، وأنه لم يسقط من أنظارهم، وفي يوم من الأيام خرج، ليس من حجرته بل من كل القيود التي كانت تكبله ،وتحيل أحلامه إلى كوابيس مشينة محاولا نسيان تلك الأميرة الآسرة التي كان يحلم بها صباح مساء، ولكنه تحامل على نفسه وخرج وهو يصرخ ويتألم ولا أحد يسمعه سوى شجرة الفل والذي كان يحتضن زهورها الرائعة فتخفف عنه عناء الأيام، ولكنه لأول مرة يرى الحياة بمنظار جديد، علم حينها أن المرأة التي سببت له جراحاً، توجد ألف امرأة غيرها تحمل نفس الجمال والطيبة، وستولد له السعادة مع امرأة أخرى، وما عليه سوى فتح النافذة للأمل، وغلق نوافذ الماضي بكل ما فيه، لتشرق دنياه بالحب الموعود.












.jpg)
.jpg)


.jpg)



.jpg)












.jpg)





















.jpg)

















