التثبت من الخبر ..
ممَّا لا شك فيه أن الشائعات لها دورٌ خطير في زعزعة أمن الناس واستقرارهم، فهي تثير القلاقل والفتن في المجتمع والتي بدورها تفرِّق بين الناس، وتخلق حالة من عدم الانسجام بين الأطياف المختلفة من البشر، وقد توقد نار الشحناء والبغضاء بينهم، وتعمل على نشر الأكاذيب، والترويج للباطل.
فالتثبت من الأخبار منهج رباني يعلمنا إياه القرآن الكريم، فقد قال تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ﴾[الحُجُرات:6]
صفة التثبت من الصفات المهمة حيث إنَّ هناك من يتعمد تشويه أقوال وآراء العلماء والمثقفين، من خلال قص كلامهم، وتسليط الضوء على هفواتهم من أجل زعزعة الثقة في النخب الثقافية، ونشر الشائعات عنهم، ولا يطال هذا التزييف العلماء فقط بل يتجاوز التزييف حدوده ليطال الأحداث والوقائع، فتصدير الحدث مبتوت الصلة عن الإطار الذي انبثق عنه، والمناسبة التي تولد عنها لهو أشبه برقم ليس له منظومة رقمية، فالأفكار والاجتهادات والتصرفات تكون دائماً محتملة للخطأ والصواب إذا نزعت من الواقع التي حدثت فيه، فكل كلمة في اللغة لها سياق لا يمكن فهم مرادها دون ذلك السياق، وأيضاً الواقع الثقافي لا يمكن أن يحلل تحليلًا سليمًا دون أن يؤتى بإطار الأحداث التي تحُاك فيها، فعند نزع الفكرة من سياقها لا تكون دليلاً؛ ليؤخذ بها، ولا تعد من الأمانة العلمية، نقلها مبتورة الصلة عن مناسبتها، فمسألة الاهتمام بالسياق مهمة جداً، فكثير ما يشوه علماء فضلاء بسبب نزع الآراء من السياق الذي قيلت فيه، وقصقصة الأخبار.
وهذا حتى من الناحية الشرعية محظور، فبعض الآيات لا يجوز فيها الوقف على كلمة تعطي معنًى مخالفًا للعقيدة، أو يفهم منها معنًى لا يليق بذات الله تعالى، نحو الوقف على كلمة: ﴿ يَسْتَحْيِي ﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ ﴾[البقرة:26]
يمكن القول: إن هناك اعتبارات في النظر للواقع الثقافي، وقواعد لقراءة الأحداث فيه، منها ما ذكره "ابن خلدون" من القواعد التي تساعد في قراءة الأحداث والوقائع:
القاعدة الأولى: أن الكذب متطرّق للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه، فمنها التّشيّعات للآراء والمذاهب، فإنّ النّفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر؛ أعطته حقّه من التّمحيص والنظر؛ حتّى تتبيّن صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة؛ قبلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة، وكان ذلك الميل والتّشيّع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتّمحيص؛ فتقع في قبول الكذب ونقله. ومن الأسباب المقتضية للكذب في الأخبار أيضاً: الثّقة بالنّاقلين، وتمحيص ذلك يرجع إلى التّعديل والتّجريح، ومنها الذّهول عن المقاصد، فكثير من النّاقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع، وينقل الخبر على ما في ظنّه وتخمينه؛ فيقع في الكذب.
القاعدة الثانية: أن قانون تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة، هو أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته, وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضًا لا يعتد به ومالا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه، وحينئذ إذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه فهو هنا يحدد قاعدتين في غاية الأهمية بيئة الخبر وخلفيات الأحداث، والجهة التي من مصالحتها نشر الخبر على نحو معين، فهذه الأمور متى ما كانت في عين الاعتبار؛ نستطيع تمييز الأخبار صحيحها من غيره.
ومن الجدير بالذكر إنَّ إمكانيات التزييف زادت، و سبل التحقق منها أيضاً بالمقابل زادت .
الكاتبة / هدى المعاش




.jpg)

.jpg)

.jpg)


.jpg)


.jpg)














.jpg)





















.jpg)


















